محمد بن جرير الطبري
137
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ذلك فقرأته عامة قراء المدينة والكوفة وبعض قراء مكة : " عاليهم " بتسكين الياء . وكان عاصم وأبو عمرو وابن كثير يقرءونه بفتح الياء ، فمن فتحها جعل قوله عالِيَهُمْ اسما مرافعا للثياب ، مثل قول القائل : ظاهرهم ثياب سندس . والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقوله : ثِيابُ سُندُسٍ يعني : ثياب ديباج رقيق حسن ، والسندس : هو ما رق من الديباج . وقوله : خُضْرٌ اختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأه أبو جعفر القارئ وأبو عمرو برفع خُضْرٌ على أنها نعت للثياب ، وخفض " إستبرق " عطفا به على السندس ، بمعنى : وثياب إستبرق . وقرأ ذلك عاصم وابن كثير : " خضر " خفضا وَإِسْتَبْرَقٌ رفعا ، عطفا بالإستبرق على الثياب ، بمعنى : عاليهم إستبرق ، وتصييرا للخضر نعتا للسندس . وقرأ نافع ذلك : خُضْرٌ رفعا على أنها نعت للثياب وَإِسْتَبْرَقٌ رفعا عطفا به على الثياب . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة : " خضر وإستبرق " خفضا كلاهما . وقرأ ذلك ابن محيصن بترك إجراء الإستبرق : " وإستبرق " بالفتح بمعنى : وثياب إستبرق ، وفتح ذلك لأنه وجهه إلى أنه اسم أعجمي . ولكل هذه القراءات التي ذكرناها وجه ومذهب ، غير الذي ذكرنا عن ابن محيصن ، فإنها بعيدة من معروف كلام العرب ، وذلك أن الإستبرق نكرة ، والعرب تجري الأسماء النكرة وإن كانت أعجمية . والإستبرق : هو ما غلظ من الديباج . وقد ذكرنا أقوال أهل التأويل في ذلك فيما مضى قبل ، فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد عن قتادة قال : الإستبرق : الديباج الغليظ . وقوله : وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ يقول : وحلاهم ربهم أساور ، وهي جمع أسورة من فضة . وقوله : وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً يقول تعالى ذكره : وسقى هؤلاء الأبرار ربهم شرابا طهورا ، ومن طهره أنه لا يصير بولا نجسا ، ولكنه يصير رشحا من أبدانهم كرشح المسك ، كالذي : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن ، قالا : ثنا سفيان ، عن منصور عن إبراهيم التيمي وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً قال : عرق يفيض من أعراضهم مثل ريح المسك . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن منصور ، عن إبراهيم التيمي ، مثله . حدثنا ابن حميد قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن إبراهيم التيمي ، قال : إن الرجل من أهل الجنة يقسم له شهوة مئة رجل من أهل الدنيا ، وأكلهم وهمتهم ، فإذا أكل سقي شرابا طهورا ، فيصير رشحا يخرج من جلده أطيب ريحا من المسك الأذفر ، ثم تعود شهوته . حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : شَراباً طَهُوراً قال : ما ذكر الله من الأشربة . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن أبان عن أبي قلابة : إن أهل الجنة إذا أكلوا وشربوا ما شاءوا دعوا بالشراب الطهور فيشربونه ، فتطهر بذلك بطونهم ويكون ما أكلوا وشربوا رشحا وريح مسك ، فتضمر لذلك بطونهم . حدثنا علي بن سهل ، قال : ثنا حجاج ، قال : ثنا أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن انس ، عن أبي العالية الرياحي ، عن أبي هريرة أو غيره " شك أبو جعفر الرازي " قال : صعد جبرائيل بالنبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى السماء السابعة ، فاستفتح ، فقيل له : من هذا ؟ فقال : جبرائيل ؛ قيل : ومن معك ؟ قال : محمد ، قالوا : أو قد أرسل إليه ؟ قال : نعم ، قالوا : حياه الله من أخ وخليفة ، فنعم الأخ ونعم الخليفة ، ونعم المجيء جاء ؛ قال : فدخل فإذا هو برجل أشمط جالس على كرسي عند باب الجنة ، وعنده قوم جلوس بيض الوجوه أمثال القراطيس ، وقوم في ألوانهم شيء ، فقام الذين في ألوانهم شيء ، فدخلوا نهرا اخر فاغتسلوا فيه ، فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء ثم دخلوا نهرا آخر